في الخامس عشر من مايو من كل عام، نقف أمام واحدة من أعمق الجراح في الوجدان العربي والضمير الإنساني: نكبة فلسطين، التي لم تكن مجرد اقتلاع شعب من أرضه، بل كانت وما زالت مأساة تاريخية مستمرة، ووصمة عار في جبين النظام الدولي.
في مثل هذا اليوم من عام 1948، بدأ مسلسل التشريد والتهجير والقتل، حين اغتُصبت الأرض، واغتيلت الحقوق، وهُجّر الشعب الفلسطيني قسرًا من قراه ومدنه، لتُقام على أنقاضها دولة الاحتلال، بدعمٍ من قوى الاستعمار العالمية.
واليوم، وبعد سبعة وسبعين عامًا، لم تعد النكبة ذكرى، بل واقعًا دائمًا يزداد مرارة. فما زالت آلة القتل الإسرائيلية تحصد أرواح الأبرياء، وآخرها المجازر الدامية في غزة، وما زالت الحناجر الحرة تُقمع، والقدس تُهوَّد، والضفة تُقسَّم، والحصار ينهك غزة، واللاجئون يورّثون اللجوء لأبنائهم جيلاً بعد جيل.
أيها الحضور الكريم،
إن ما وصلت إليه القضية الفلسطينية من تدهور، ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لصمتٍ عربيٍ رسمي، ولتخاذل دولي مريب، ولتآمر قوى الهيمنة، وأيضًا لخيانات داخلية ارتضت أن تساوم على الثوابت.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، لا بد أن نثمّن الدور الوطني المسؤول الذي تلعبه جمهورية مصر العربية في إدارة هذه الأزمات المتفجرة، لا سيما في قطاع غزة، حيث أظهرت الدولة المصرية أعلى درجات ضبط النفس والحكمة، وسعت بكل قوة إلى احتواء التصعيد، وفتح المسارات الإنسانية، ومنع انزلاق الأوضاع إلى مزيد من الدمار والمعاناة.
فمصر، بقيمتها التاريخية وبدورها المحوري، ما زالت تتحمل عبء القضية الفلسطينية بوصفها قضية أمن قومي عربي، وتُثبت يومًا بعد يوم أنها الحاضن الأمين للقضية، والداعم الحقيقي لصمود الشعب الفلسطيني.
ولذلك، لا بد أن نطرح بوضوح رؤية استراتيجية للتحرير، ترتكز على ما يلي:
1. توحيد الجبهة الفلسطينية على قاعدة المقاومة الشاملة، لا المساومات العقيمة.
2. إحياء المشروع القومي العربي المقاوم، وإعادة الاعتبار للمحور العربي الداعم للمقاومة، بعيدًا عن أنظمة التطبيع والانبطاح.
3. تفعيل الدعم العسكري والتقني للمقاومة الفلسطينية، وتطوير قدراتها الدفاعية والهجومية بما يتجاوز الحصار والتبعية.
4. بناء تحالفات إقليمية مع قوى التحرر في المنطقة والعالم، لكسر عزلة المقاومة وإضعاف محور الاحتلال والهيمنة.
5. تبني مشروع مقاومة طويلة النفس، تعتمد حرب الاستنزاف، وتكسر وهم "التفوق المطلق" للعدو الصهيوني.
6. التحرك سياسيًا لفضح جرائم الاحتلال، وتجريم التطبيع، وتدويل جرائم الإبادة كمقدمة لعزل الكيان الغاصب.
إن فلسطين لن تُحرَّر بالبيانات والندوات، بل بالموقف والقرار والمواجهة. ولا خيار أمام الأمة إلا أن تُعدّ نفسها للمواجهة الشاملة، التي تفرض فيها معادلات جديدة على الأرض، لا تُسترد فيها الحقوق إلا كما سُلِبت: بالقوة.
علينا أن نؤمن جميعًا أن معركة فلسطين هي معركة الأمة كلها، وأن الكفاح المسلح والمقاومة الواعية هي طريق العودة، والحرية، والتحرير.
فالنكبة لن تنتهي إلا بالتحرير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق